ابن عجيبة
139
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقد كان المشركون يقرّون بالصانع ويخلطون معه التصديق بربوبية الأصنام ، فقد آمنوا بوجود الصانع ، ولكنهم لبسوا إيمانهم بالشرك ، فلا أمن لهم ولا هداية . وبهذا يرد جهالة الزمخشري في إنكاره الحديث الصحيح ، ولو بقي الظلم على عمومه - أي : ولم يخلطوا إيمانهم بمعصية - لصحّ ، ويكون المراد بالأمن أمنا خاصا وهداية خاصة ، لكن ما قاله - عليه الصلاة والسلام - يوقف عنده . الإشارة : العارف بالله ، المتحقق بوحدانية اللّه ، لا يسكن خوف الخلق في قلبه ، ولا ينظر إلا إلى ما يبرز من عند ربه ، فإن وعده بالعصمة أو الحفظ لم يترك بذلك التضرع والالتجاء إلى ربه ؛ لسعة علمه تعالى ، وقد يكون ذلك متوقفا على أسباب وشروط ، أخفاها الحق تعالى إظهارا لقهريته ، ولذلك قال الخليل عليه السّلام : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً . وقال سيدنا شعيب عليه السّلام : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً « 1 » . فالعارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره ، وأما الأمن من التحويل والانقلاب ، فاختلف فيه ؛ فقال بعضهم : يحصل للولىّ الأمن ، إذا تحقق بمقام القرب ، وحصل له الفناء والبقاء ، متمسكا بقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ . وقال بعضهم : لا يحصل الأمن إلا للأنبياء - عليهم السلام - ؛ للعصمة . قال الورتجبي : مقام الأمن لا يحصل لأحد ، ما دام هو بوصف الحدثية ، وكيف يكون آمنا منه وهو في رقّ العبودية ويعرف نفسه بها ، ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت ؟ وقال تعالى : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ « 2 » . فإذا رأى اللّه تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق ، وذاق طعم الدنو ، واتّصف بصفات الحق ، بدا له أوائل الأمن ، لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجاء ، لأن هناك جنة القرب والوصال ، وهم فيها آمنون من طوارق القهر ، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته ، وإن كانوا في تسامح من مناقشة اللّه بدقائق خفايا مكره . ه . فظاهر كلامه ، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء ، يحصل له الأمن من الشقاء ، وكذلك قال أبو المواهب : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء . وقال في نوادر الأصول : من حظّه من أهل التقريب : الجلال والجمال ، وقد أقيم في الهيبة والأنس ، قد غاب عن خوف العقوبة ، ولكنه يخاف التحويل والهوى والسقوط ، لما ركب في نفوس بني آدم من الشهوات ، فهن أبدا يهوين بصاحبهن عن اللّه إلى الإخلاد والبطء ، وإنما يسكن خوف التحويل إذا خلص إلى الفردانية وتعلّق بالوحدانية ؛ لتلاشى الهوى منه والشهوة ؛ بكشف الغطاء ، ولا يذهب خوف ذلك بالكلّية عنه ، وإن
--> ( 1 ) الآية 89 من سورة الأعراف . ( 2 ) الآية 99 من سورة الأعراف .